ابن قتيبة الدينوري

81

تأويل مشكل القرآن

الرجل وأكذبته - بقول اللّه تعالى : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [ الأنعام : 33 ] ولا يكذبونك ، وذكر أنّ أكذبت وكذّبت جميعا ، بمعنى : نسبت إلى الكذب . وليس ذاك كما تأوّل ، وإنما معنى أكذبت الرجل : ألفيته كاذبا . وقول اللّه تبارك وتعالى : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بالتخفيف أي : لا يجدونك كاذبا فيما جئت به ، كما تقول : أبخلت الرجل وأجبنته وأحمقته ، أي وجدته جبانا بخيلا أحمق . وقال عمرو بن معد يكرب لبني سليم : قاتلناكم فما أجبناكم ، وسألناكم فما أبخلناكم ، وهجوناكم فما أفحمناكم أي : لم نجدكم جبناء ، ولا بخلاء ، ولا مفحمين . وقال الكسائي « 1 » : العرب تقول : أكذبت الرجل : إذا أخبرت أنه رواية للكذب : وكذّبته : إذا أخبرت أنه كاذب . ففرق بين المعنيين . واحتج أيضا لأفعلت في معنى نسبت ، بقول ذي الرّمة يصف ربعا « 2 » : وأسقيه حتّى كاد ممّا أبثّه * تكلّمني أحجاره وملاعبه وتأوّل في أسقيه معنى أسقّيه من طريق النّسبة . ولا أعلم ( له ) في هذا حجّة ، لأنا نقول : قد أرعى اللّه هذه الماشية ، أي : أنبت لها ما ترعاه ، فكذلك تقول : أسقى اللّه الربع ، أي أنزل عليه مطرا يسقيه ، وأنا أرعى الماشية ، وأسقي الربع ، أي أدعو لها بالمرعى ، وله بالسّقيا . واحتج آخر ببيت ذكر أنه لطرفة « 3 » :

--> ( 1 ) الكسائي : هو علي بن حمزة بن عبد اللّه بن عثمان ، مولى بني أسد ، أبو الحسن المعروف بالكسائي ، ثم البغدادي الكوفي ، أحد أئمة النحو ، توفي بالري سنة 189 ه ، تقدمت ترجمته الوافية مع ذكر مؤلفاته . ( 2 ) قبله : وقفت على ربع لميّة ناقتي * فما زلت أبكي حوله وأخاطبه والبيتان من الطويل ، وهما في ديوان ذي الرمة ص 821 ، وأدب الكاتب ص 462 ، والدرر 2 / 155 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 364 ، وشرح التصريح 1 / 204 ، وشرح شافية ابن الحاجب 1 / 91 ، 92 ، وشرح شواهد الشافية ص 41 ، والكتاب 4 / 59 ، ولسان العرب ( سقى ) ، ( شكا ) ، والمقاصد النحوية 2 / 176 ، والممتع في التصريف ص 187 ، والبيتان بلا نسبة في أوضح المسالك 1 / 307 ، وشرح الأشموني 1 / 130 ، والصاحبي في فقه اللغة ص 226 ، وهمع الهوامع 1 / 131 . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان طرفة بن العبد ص 157 ( طبعة مكس سلغسون ) ، ومقاييس اللغة 3 / 181 ، ولسان العرب ( شرر ) ، وفيه « ذلكا » بدل « ذلك » ، وتاج العروس ( شرر ) ، والبيت بلا نسبة في ديوان الأدب 3 / 157 .